خطاب السيد محمد بن عيسى، وزير الشؤون الخارجية و التعاون أمام الدورة السادسة والخمسين للجمعية العامة لمنظمة الأمم المتحدة

 

نيويورك في 12 نوفمبر 2001       

 

السيد الرئيس

السيد الأمين العام

أصحاب السعادة

السادة المندوبين المحترمين

سيداتي سادتي

     السيد الرئيس،

           اسمحوا لي في البداية أن أهنئكم باسم المملكة المغربية على انتخابكم لرئاسة الدورة السادسة والخمسين للجمعية العامة وأن أؤكد لكم مساندتنا الكاملة وتأييدنا لكم في مهامكم الجليلة.

           كما يطيب لي أن أعرب عن مشاعر الشكر والتهنئة للرئيس السابق، السيد  هاري هولكري M. Harry Holkéri، الذي أدار أعمال الدورة  الخامسة والخمسين بكل حزم  وفعالية واقتدار.

           ويسعدنـي  كذلك أن أشيـد  بالأميـن العـام، السيد كوفـي عنان M. Kofi Annan  على الجهود التي يبذلها  لخدمة المنظمة ولخير المجموعة الدولية برمتها. كما لا  يفوتني  أن أتقدم لسيادته، بتهانيئنا  الحارة  بمناسبة  إعادة انتخابه  أمينا عاما  لمنظمتنا   وحيازته على جائزة نوبل  للسلام برسم  سنة 2001.

 السيد الرئيس،

           إننا نشعر بتأثر بالغ  من جراء  الجرائم  الإرهابية الفظيعة التي ارتكبت  يوم 11 شتنبر 2001 على أرض الولايات المتحدة الأمريكية  ضد المنشآت وآلاف  الأشخاص  الأبرياء، مما  يتنافى    مع كل  القيم الدينية والإنسانية والحضارية.

            وكيف ما كانت  نظرتنا  وتقديراتنا   لأحداث يوم 11 شتنبر الماضي، فالواقع أن العلاقات الدولية قد  عرفت  منذ  ذلك اليوم   وضعا جديدا ومنعطفا  مصيريا  ستبدي الأيام والشهور  المقبلة  مدى  عمقه  وأبعاده وتداعياته في جميع  المجالات  وستضع  العالم أمام تحديات  وإكراهات  جديدة.

           إن المملكة المغربية تجدد  إدانتها  المطلقة  والصارمة  لهذه الأعمال  اللا إنسانية وتدعو كل الدول  إلى التعبئة  وبذل  قصارى الجهود من أجل  استئصال  جذور الإرهاب  الذي لا  يشكل خطرا على السلام  والأمن الدوليين فحسب، بل  على الإنسانية جمعاء.

           إننا  نعتبر  منظمة الأمم المتحدة مؤهلة للقيام بدور مركزي لمعالجة الأسباب العميقة  الكامنة وراء تنامي الإرهاب الذي لا يشكل خطرا  على السلام والأمن الدوليين فحسب، بل  على الإنسانية جمعاء.

           إننا نعتبر منظمة الأمم المتحدة مؤهلة للقيام بدور مركزي لمعالجة الأسباب العميقة الكامنة وراء تنامي الإرهاب. ولذلك، فإن قرارات مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة تمثل إطارا  مناسبا  لعمل  موحد في هذا  المجال. ومن ثم، أصبح من اللازم على كل  الدول والمنظمات المعنية  تحمل مسؤوليتها سواء  في مكافحة  الإرهاب  أو في اتخاذ الاجراءات الوقائية لتفاديه. إن المغرب تماشيا مع التزاماته وسياسته المبنية على التسامح والاعتدال واحترامه للشرعية الدولية، يشارك بالشكل  الذي يؤمن الفعالية المرجوة  لمواجهة الإرهاب والأخطار المترتبة عنه.

 السيد الرئيس،

           مما لا جدال فيه أن قضية الشرق الأوسط تشكل  واحدا من أخطر النزاعات  الإقليمية  التي تهز عالمنا  منذ أكثر من نصف قرن. وقد عرف هذا النزاع خلال السنة المنصرمة وحتى اليوم تصعيدا خطيرا  متواصلا  تمثل في قتل مئات  من الأبرياء، بما  في  ذلك  الأطفال   والنساء، وتسبب  في تحطيم  البنية التحتية  لكل المرافق في الأراضي الفلسطينية المحتلة. لذلك طالب المغرب وما زال يطالب برفع الحصار الذي  تتعرض له المدن والقرى الفلسطينية ووضع حد لعمليات تدمير المنازل والمحاصيل الزراعية وإيقاف حركة الاستيطان في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ 1967 ووقف مسلسل العنف والعنف المضاد والعودة إلى مائدة المفاوضات على أساس تقرير السيناتور جورج ميتشل والاتفاقيات المبرمة بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي.

           إن المملكة المغربية ترى أن السلام بين العرب والإسرائيليين هو رهين بالأساس بضرورة انسحاب إسرائيل من الأراضي العربية المحتلة سنة 1967 في فلسطين والجولان السوري وفيما تبقى من الأراضي اللبنانية  التي تحررت من الاحتلال الإسرائيلي وذلك على أساس الاحترام الكامل لمبادئ الشرعية الدولية وبالأخص قراري  مجلس الأمن 242 و 338 ومقررات  مؤتمر  مدريد القائمة على  مبدأ الأرض مقابل السلام.

           وفي هذا الصدد، فقد سجلنا  باهتمام  بالغ  وارتياح كبير تصريحات  الرئيس جورج بوش بخصوص قيام الدولة الفلسطينية وعزم  الإدارة  الأمريكية تفعيل دورها الإيجابي من أجل دفع قاطرة  السلام  إلى الأمام  وتحقيق أماني  الشعوب في كل  مكان لإقامة سلام عادل وشامل وحقيقيي بين كافة دول شعوب المنطقة.

  السيد الرئيس

           مرة أخرى نعود لنعرب عن انشغالات،  المملكة المغربية لمعاناة الشعب العراقي الشقيق وتدهور الوضع  الإنساني  في العراق  وذلك  نتيجة آثار العقوبات  الاقتصادية المفروضة  عليه منذ أكثر من عشر  سنوات.

           وعلى هذا الأساس، فإن المغرب يأمل  في أن تؤدي الاتصالات  الجارية  بين الأمم المتحدة والحكومة العراقية إلى رفع  تلك  العقوبات  وإنهاء حالة اليأس والألم  والمعاناة التي يقاسي منها الشعب العراقي. كما يساند المغرب كل الجهود المبذولة لقيام  حوار صريح  بين الأمم المتحدة والحكومة العراقية للتوصل إلى تسوية  عادلة لمأساة الأشخاص المحتجزين  والمفقودين  نتيجة   حرب  الخليج.

            ويؤكد المغرب أيضا على ضرورة الحفاظ على استقلال دولة الكويت  وسيادتها  ووحدة  ترابها وكذلك  استقلال وسيادة  ووحدة تراب العراق.

 السيد الرئيس،

           إن حل  النزاعات  المسلحة يكتسي أهمية قصوى بالنسبة  للقارة الإفريقية  التي ما تزال للأسف الشديد مسرحا  لنزاعات   مأساوية  تكون  مصطنعة في أغلب  الحالات.

           إن  هذا  الوضع يحتم على  منظمتنا نهج مقاربة جديدة وعملية للمحافظة على  السلم وتعزيزه في إفريقيا، مقاربة تكون  مبنية على تأمين  وقف إطلاق  النار وتشجيع الحوار بين الفرقاء وإعادة البناء، وعلى ترجيح عمل وقائي، كما  أكد  على ذلك  السيد  الأمين العام للأمم المتحدة في افتتاح دورتنا، بهدف إقامة آليات  إنذار سريع في مناطق  التوتر، بما في ذلك   مواجهة أسباب  تفاقم  هذه  النزاعات  كالفقر وانتشار  الأوبئة وتدفق  اللاجئين.

           إن المغرب تطلعا  منه لاستتباب الأمن والسلام في إفريقيا، يساند كل الجهود ذات الصلة التي  تبذلها  الأمم المتحدة والمنظمات  الدولية  والإقليمية  المعنية. كما إن المغرب استجاب هذا العام  وكعادته لطلب  منظمة   الأمم المتحدة لمشاركة القوات  الملكية المغربية المسلحة في عملية حفظ السلام  الأممية في  جمهورية الكونغو الديمقراطية.

  السيد الرئيس،

           لقد عبر المغرب دائما عن عزمه في الإسراع ببناء اتحاد المغرب العربي كمجموعة  إقليمية قوية ومتوازنة، تؤدي إلى استقرار دائم  في  المنطقة وتفعيل للهياكل الاجتماعية  والثقافية في ما بين دول المجموعة، وذلك  اعتبارا للدور الطلائعي الذي يمكن أن يلعبه  هذا  الاتحاد في تحقيق شراكة  مثمرة  مع المجموعات  الإقليمية  الأخرى. ويبقى المغرب مقتنعا بجدوى تفعيل  هذا  الاتحاد وحتميته.

           بيد أن بناء مشروع الصرح  المغاربي يظل رهينا  بإيجاد  حل عادل  ودائم  ونهائي لمسألة  الصحراء، هذا النزاع الذي يقف حجر عثرة في طريق تحقيق آمال الشعوب المغاربية في التواصل والتكامل والاستقرار والازدهار والسلام، تلك  الآمال تلي ناضل من أجلها قادتنا  منذ فجر الاستقلال وخاصة  منذ مؤتمر طنجة التاريخي لسنة 1958.

 السيد الرئيس،

           عكس ما يدعيه البعض، فإن مخطط التسوية لم يتوقف بسبب "العدد الهائل للطعون التي قدمت  بعد نهاية  مرحلة  تحديد الهوية" وإنما بالأساس بسبب الصعوبات الجمة التي ذكرها السيد الأمين العام في تقاريره الثلاثة الأخيرة.

           وأيضا  وعكس ما يتنكر له البعض، فقد  طلب  مجلس الأمن في قراره 1359 من الأطراف الأربعة المعنية الدخول في مفاوضات  على أساس الاتفاق  الإطار الذي تقدم   به الأمين  العام إلى مجلس  الأمن والذي أصبح  متعارفا  عليه  بخطة  بيكر.

           إن هذه  المبادرة  المتمثلة  في مشروع  الاتفاق الإطار للتوصل إلى حل  سياسي  تفاوضي  للنزاع يشكل كما أقر السيد الأمين العام آخر  فرصة  حقيقية لإيجاد  حل  نهائي وسريع  للنزاع في الصحراء.

           إن المغرب الذي  وافق على مشروع الاتفاق الإطار للتفاوض مع كل الأطراف، عازم على مواصلة التعاون  الكامل مع الأمين العام ومبعوثه  الشخصي ومع مجلس الأمن للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، فإن المغرب يدعو الأطراف الأخرى للإستجابة للنداء الذي  تضمنه قرار  مجلس  الأمن 1359 للتفاوض حول  حل سياسي لهذا النزاع المفتعل.

 السيد الرئيس،

           إن استمرار احتلال إسبانيا  للمدينتين  المغربيتين  سبتة ومليلية والجزر المجاورة لهما  يعتبر  مفارقة  تسير بعكس القيم والمبادئ التي  تدافع  عنها  المجموعة الدولية.

           والمغرب الذي يتشبث ببناء الصرح الأوربي-المتوسطي والحوار بين ضفتي البحر الأبيض المتوسط، يعتبر  بناء علاقات  تعاون  قوية  قائمة  على معاهدة الصداقة وحسن الجوار والتعاون مع إسبانيا هدفا استراتيجيا  أساسيا.  غير أن تحقيق أهداف هذه المعاهدة تحقيقا كاملا يتطلب من إسبانيا تفهما وتجاوبا مع حقوق المملكة المغربية في  سيادتها  المشروعة على مدينتي سبتة ومليلية والجزر المجاورة لهما، وذلك باستجلاء سبل تأمين السيادة المغربية على الأرض وضمان حقوق السكان الإسبان الاقتصادية والاجتماعية والثقافية  والمدينتين. ولنا في حل قضايا مماثلة  كهونغ كونغ وماكاو المرجعية  المناسبة  للتوصل إلى مقاربة تستجيب لمصالح   المغرب  وإسبانيا.

  السيد الرئيس،

           إن  تطور الاقتصاد العالمي يحتم  على الدول المتوسطية إعطاء علاقاتها  الاقتصادية دفعة  قوية تقوم على فلسفة  وأسس جديدة، الأمر الذي دفع المغرب للإقدام على طرح مشاريع طموحة مع عدد من دول جنوب وشرق البحر الأبيض المتوسط، ونخص بالذكر مبادرة جلالة الملك محمد السادس المتمثلة في "إعلان أكادير" ليوم 8 مايو 2001 المتضمن لمشروع توسيع منطقة التبادل الحر القائمة ثنائيا مع كل  من مصر والأردن وتونس. ونأمل  أن تتوسع  هذه  المجموعة لتشمل  بشكل  متوال دولا  أخرى عربية متوسطية  مما سيشكل أداة قوية  لدول الضفة  الجنوبية  والشرقية المتوسطية وذلك  في إطار التشارك والتعاون الوارد في نصوص إعلان برشلونة مع دول الواجهة الشمالية للمتوسط والاتحاد الأوربي بصفة عامة.

  السيد الرئيس،

           إن استتباب  السلم والأمن الدوليين لا ينحصر في الاستجابة للتحديات  السياسية بل يتعداها  ليشمل معالجة  مشاكل  أخرى  ذات  طابع  اجتماعي واقتصادي،  ونخص بالذكر منها المحافظة على البيئة والتغييرات  الضارة  بالموارد الطبيعية  لكوكبنا  بما في  ذلك  تسهيل  الوصول  إلى الموارد المائية  والتزويد بالماء الشروب بتكاليف معقولة.

           لقد كان للمغرب  شرف احتضان مفاوضات المؤتمر السابع حول التغيرات المناخية المنعقد بمراكش في الفترة ما بين 29 أكتوبر و 9 نونبر الجاري والذي جاءت نتائجه الإيجابية تمهيدا لنجاح القمة العالمية للتنمية المستديمة المزمع عقدها السنة القادمة  في جوهانزبورك.

           وفيما يتعلق بالمسائل الاجتماعية  التي تستأثر  بشكل  جدي  باهتمام  المؤسسات  الدولية، فإن المغرب  يرى أن على الأمم المتحدة أن تبذل مجهودات قصوى لخدمة قضية الطفل التي تحدد مستقبل الإنسانية بشكل عام.

           واقتناعا  منه بهذه  الأولويات، فإن المغرب  بإيعاز  مباشر  من عاهله  صاحب الجلالة الملك محمد السادس، وصاحبي السمو الملكي الأمير مولاي رشيد والأميرة للامريم، لم يذخر  أي جهد سواء على الصعيد الإقليمي أو الدولي لضمان الحركية الشاملة التي تجعل من 2001 سنة لصالح  الطفولة وفق  إعلان اليونسيف (UNICEF). وفي هذا الصدد، فقد  نظم المغرب خلال هذه السنة ثلاث مؤتمرات في موضوع الطفولة. وكان الهدف  الأساسي منها  هو تعبئة الوسائل المتوفرة خاصة    على  الصعيد الإقليمي العربي والإفريقي من أجل أن تنعم   الطفولة بكل حقوقها في ميادين الصحة والتربية والعدالة.

           ومن منطلق قناعته هذه، فإن المغرب عازم على المساهمة بشكل فعال  في إنجاز أعمال القمة الاستثنائية للطفل المزمع  عقدها السنة المقبلة.

           لقد عرفت  المملكة المغربية خلال السنوات  الأخيرة نقاشات مكثفة وجد غنية حول  مجموع المشاكل  الاجتماعية التي تشغل بال المجتمع الدولي وفي مقدمتها المكانة التي يجب أن تتبوأها  المرأة داخل  المجتمع المغربي بما في ذلك  إشراكها الكامل والفعلي في كل أنشطة التنمية  وإدماجها في سائر  القطاعات الاجتماعية  والسياسية والاقتصادية.

           كما تمثل  المنظمات غير الحكومية أداة  فعالة وشريكا متميزا  في عمل المجموعة الدولية في المجالات الاجتماعية والإنسانية. ومن هذا المنطلق فإن المغرب يتمنى  إشراك  هذه الفعاليات  في استراتيجية   الأمم المتحدة التي تعنى بالقضايا الاجتماعية  والإنسانية  والبيئية وكل القطاعات  التي يمكن أن تلعب فيها  دورا فاعلا.

 السيد الرئيس،

           إن حصول منظمتنا للمرة الثانية في ظرف عشر سنوات على جائزة نوبل للسلام هو في  نفس الوقت تشريف وتكليف. فهو تشريف لما تم إنجازه من أجل تفادي الحروب وفض النزاعات بالطرق السلمية وهو تكليف كذلك  من أجل إعادة التفكير في دور المنظمة الدولية حتى تكون أداة فعالة  للاستجابة  للتحديات  الجديدة  وتحقيق أهدافها  لبناء  عالم يسوده السلم  والأمن وتجني فيه  كل الشعوب ثمرة التقدم التكنولوجي والعلمي. فلنكن في مستوى هذه  التحديات ولنعمل  جميعا في شراكة حقيقية وبنظرة  مستقبلية تضامنية من أجل  هذه الأهداف النبيلة.