خطاب السيد محمد بن عيسى، وزير الشؤون الخارجية و التعاون، أمام الاجتماع التاسع لمجلس وزراء منظمة الأمن و التعاون الأوروبي 

بوخاريست في  04ديسمبر 2001

السيد الرئيس،

        اسمحوا لي أولا أن أعبر عن السعادة التي تغمرني والوفد المرافق لي على إثر تجدد لقائنا ببوخاريست ، العاصمة الجميلة لبلد صديق علينا وعن امتناننا لمضيفينا الرومانيين على كرم الضيافة.

        وبتهنئتكم على الاستحقاقات الكبيرة التي بلغتها المنظمة تحت إمرتكم فإني سعيد برؤية البرتغال تحمل المشعل بعدكم.       

السيد الرئيس، 

       إن الأحداث الرهيبة ليوم 11 شتنبر ألقت الضوء من جديد على متطلبات العمل لأجل الأمن والاستقرار في العالم وخاصة  في منطقتنا المتوسطية. وأريد أن أنتهز هذه الفرصة  لأجدد إدانتنا لهذا الفعل الهمجي الذي لا تبرره أي قضية  ولا أي اعتقاد والذي كان موجها للبشرية جمعاء. 

السيد الرئيس، 

       إن المغرب المخلص لتعهده المنبني على التوقيع أو المصادقة على أهم الآليات القانونية الموجودة دوليا وآلية جهوية ضد الإرهاب بالإضافة إلى مشاركته الحيوية في إقامة اتفاقية شاملة  ضد هذا الوباء، يتقيد كليا بمحتوى مشروع الإعلان الصادر عن اجتماعنا وبمخطط العمل  من أجل تطبيقه. إن المغرب لعازم على التقيد بكامل إجراءات القرار 1373 الصادر عن مجلس الأمن يوم  28 شتنبر الأخير ويحي مبادرة كركيزستان التي ستنظم خلال هذا الشهر، للندوة الدولية حول " تعزيز مجهودات الكل لمواجهة الإرهاب". 

       ووعيا منه أن أحسن جواب لتهديد الإرهاب هو إقامة خطة توافقية شاملة، بادر صاحب الجلالة الملك محمد السادس إلى استضافة جلسة استثنائية للملتقى المتوسطي بأكادير أيام 25 و 26 أكتوبر 2001. 

       وخلال هذا الاجتماع، وبحضور الرئيس الحالي للاتحاد الأوربي، عبر الوزراء الإحدى عشر الممثلين للبلدان العربية والأوربية المحاذية للمتوسط عن التزامهم الموحد لمكافحة الإرهاب بجميع أشكاله  والتحام جهودهم للتطبيق الملموس للقانون المسير الذي تم  تحضيره في هذا  الإطار من طرف مجموعة العمل. 

       بالإضافة إلى ذلك، فإن الكفاح الذي نقوم به كمجموعة دولية ضد الإرهاب لا يمكن  أن يكون تحت أي مبرر مسبوق بخلط كيفما كان نوعه وخاصة إزاء الإسلام دين السلام والرحمة والتعايش. كما أن هذا الكفاح لا يلزم أن ينال من الحريات الجماعية والفردية. 

السيد الرئيس، 

       ونحن نناقش السلام  والأمن والتعاون، لا يمكننا أن نغض الطرف على النزاع في الشرق الأوسط. إن التقتيل الذي يتعرض له الرجال والنساء والأطفال ومعاناة الفلسطينيين لهو ثقل على الوعي الإنساني ويجب وضع حد له. ويشكل هذا النزاع  خطرا مستمرا على السلام والأمن ليس فقط في المنطقة بل على المستوى الدولي. إن الوصول إلى حل عادل  ونهائي يحترم الشرعية الدولية والقرارات الأممية لا يمكن  أن يجد طريقة إلا بالعودة بدون شروط إلى مسلسل السلام في إطار مخطط ميتشيل. 

       وعلى هذا الأساس،  فبإمكان منظمة الأمن والتعاون الأوروبية أن تعطى كمثال لوقف إطلاق النار، والقيام بإجراءات تعيد الثقة والاستقرار بالإضافة إلى نهج دبلوماسية وقائية. 

السيد الرئيس، 

       لا يجب للظروف المعقدة التي  يمر منها العالم في الوقت الحالي أن تحجب عنا إشكاليات أخرى لها علاقة بالسلم والأمن الدوليين. وبالنظر إلى مبادئ المنظمة التي ترفض تجزيء الأمن ورؤيتها الشاملة حول الموضوع، فيجب علينا أن نستمر، بالموازاة مع ذلك، على مواجهة منابع الخطورة التي تنزل بثقلها على الأمن والاستقرار بالإضافة إلى معاينة كل بؤر التوتر. 

       إن المغرب، كبلد للحوار والانفتاح، كان دائما مع المبادئ التي تدعولها منظمة  الأمن والتعاون في أوربا مثل النهوض بحقوق الإنسان وتعزيز دولة الحق والقانون وتنمية العلاقات المبنية على الصداقة وحسن الجوار. إن المبادرات  المتخذة من طرف صاحب الجلالة الملك محمد السادس وحكومة التناوب يندرجان في إطار تكريس هذه المبادئ. كما أن عملنا الحاسم بدون كلل أو ملل من أجل تحقيق السلام بالشرق الأوسط ينبع من قناعتنا بأن  إجراءات الثقة والتعاون واحترام  الاختلاف كانت  السبل الوحيدة لضمان التعايش بين  الأطراف المتنازعة. 

       إن المغرب، سيدي الرئيس، المقتنع بأن التماسك  والتكامل بين مختلف مبادرات التعاون والأمن باتجاه الضفة المتوسطية سيقويان من حظوظ تحقيق الأهداف المرسومة من طرف منظمة الأمن والتعاون الأوربي في المنظمة الأوربية، سواء منها إجراءات الثقة أو السياسة الوقائية من النزاعات، أو إدارة الأزمات التي تنبعث من المشاكل الاجتماعية الشاملة أو إنشاء منطقة أورو-متوسطية ذات  ازدهار متشارك حيث يتم دمج النمو  وتنظيم التعاون  في شكل تشارك بين كل شعوب المنطقة. 

       ومن المطلوب تقوية التعاون لأجل التقليص من التفاوت الاقتصادي والاجتماعي بين ضفتي الحوض المتوسطي والذي يعتبر المصدر  الأساسي للتوترات  في المنطقة  ووضع  حد بالتالي لممارسات الجماعات  المنظمة كالمتاجرة في المخدرات، والمتاجرة في الأشخاص بما فيها المتعلقة بالنساء والأطفال والمتاجرة في المهاجرين  والأسلحة وتبييض الأموال. 

       وعلى هذا الأساس، فإن الملتقى المتوسطي لمنظمة الأمن والتعاون الأوربي المنعقد بدوبروفنيك والمستوى الذي عرفته التدخلات والنقاشات ليشكل بالتأكيد مثالا للعمل الواجب القيام به خصوصا فيما يتعلق بالحجم  الاقتصادي والبيئي لمسألة الأمن. 

       كما أنه من المفروض علينا أن نباشر حوارا ثقافيا  ودينيا لتنمية  المعرفة المتبادلة ووضع  حد للأحكام المسبقة والتصورات التي تؤثر على نظرة الواحد منا للآخر والتي تأوي العنصرية  والكراهية والتعصب. 

السيد الرئيس، 

       إن النماء الاقتصادي للضفة الجنوبية  للبحر المتوسط، لا يمكن أن يتم بدون  تعاون جنوب-جنوب ملموس وحيوي. وفي هذا الإطار، فإن تقدما ملموسا  تحقق يوم  8 مايو 2001، على إثر إعلان أكادير حول إقامة منطقة للتبادل الحر بين الدول العرب الأربع، التي سبق لها أن وقعت اتفاقيات الشراكة مع أوربا، أي مصر، الأردن، تونس والمغرب. هذه المبادرة التي تبقى  مفتوحة لكل الدول العربية المتوسطية، تشكل الحجر الأساس لمشروع الإدماج الاقتصادي الجهوي الذي تترجاه شعوب المنطقة. 

       وعلى إثر آخر لقاء جمع خبراء الدول الأربعة، بالرباط في شهر أكتوبر، فقد تم الاتفاق على تكثيف التعاون مع كل من الجامعة العربية واللجنة الأوربية، لأجل الإنهاء من إعداد الاتفاق حول منطقة التبادل الحر المزمع توقيعه بشهر مايو 2002. 

       وتجدر الإشارة أن استمرار النزاعات  الإقليمية المفتوحة أو الكامنة بالمنطقة الأورو-متوسطية خصوصا بالشرق الأوسط وإفريقيا الشمالية، تساهم في عرقلة  الجهود الهادفة إلى إرساء تعاون  اقتصادي مفيد لجميع الأطراف بالمنطقة. 

       ويبقى  الهدف الرئيسي لتعاوننا هو، كما تخيله  المرحوم صاحب الجلالة الملك الحسن الثاني، إنشاء "منظمة حول الأمن والتعاون المتوسطي".