الشراكة الأورومتوسطية
دجنبر 2002
رسم الاتحاد الأوربي لنفسه من خلال مجالس كل من كورفو(يونيو 1994)، وإيسن (دجنبر 1994) ، و كان (يونيو 1995) هدفا طموحا يتجلى في جعل منطقة البحر الأبيض المتوسط "منطقة تبادل و حوار" ، وقد كانت تحذوه في ذلك رغبته الراسخة في إثبات وجوده في هذا الفضاء.
هكذا إذن، انعقد المؤتمر الأورومتوسطي لوزراء الخارجية ببرشلونة يومي 27 و28 نونبر 1995 إيذانا ببناء منطقة أورومتوسطية للسلام و الاستقرار و الرخاء لشعوب المنطقة و التقارب الثقافي بين 15 بلدا أوربيا و 12 بلدا من بلدان جنوب المتوسط.
أ- مضمون الشراكة الأورمتوسطية:
تعتبر الشراكة الأورمتوسطية أول سيناريو جيوسياسي و اقتصادي و إنساني حقيقي تتم صياغته خدمة لصالح هذه المنطقة المحفوفة بالمخاطر و الزاخرة بالمؤهلات في آن. و تستند تلكم الشراكة إلى ثلاثة محاور:
1- المحور السياسي: يربط بشكل وثيق بين السلام بمنطقة الشرق الأوسط و بين خلق فضاء للسلام و الرخاء بحوض البحر الأبيض المتوسط. كما يؤكد على أهمية الحوار السياسي للنهوض بقيم الديمقراطية و الحرية و احترام حقوق الإنسان.
2- المحور الاقتصادي و المالي: يرمي إلى خلق منطقة واسعة للتبادل الحر تستند إلى مبادئ اقتصاد السوق و النهوض بالقطاع الخاص، و ذلك في أفق العام 2010. نتيجة لذلك، ستعرف بلدان جنوب المتوسط و شرقه نقلة اقتصادية تواكبها تحولات اجتماعية بالخصوص، وهو الأمر الذي حذا بالاتحاد الأوربي إلى اقتراح دعم مالي لهذه الدول خلال عملية الانتقال هذه، و هذا ما يتجلى من خلال برنامجي ميدا 1 و ميدا 2.
3- المحور السوسيوثقافي و الإنساني: ينصب على تنقل الأفراد بين الدول، و تعزيز الأواصر بين مكونات المجتمع المدني، و النهوض بالتعاون اللامركزي و كذا التدبير المحكم لمسألة الهجرة.
كما تتمتع الشراكة بإطار مؤسساتي يشتغل عبر آليتين، إحداهما متعددة الأطراف )اجتماعات دورية لوزراء الخارجية، و لجنة أورومتوسطية، و اجتماعات موضوعاتية تضم الوزراء المعنيين( و أخرى ثنائية تتألف على الخصوص من مجلس للشراكة يضم وزراء خارجية الدول الخمس عشرة و وزير خارجية البلد المتوسطي الشريك.
ب- المؤتمر الأورومتوسطي الخامس لوزراء الخارجية (فالنسيا 22 و 23 أبريل 2002):
انعقد المؤتمر الأورومتوسطي الخامس لوزراء الخارجية تحت الرئاسة الإسبانية للاتحاد الأوربي و ذلك يومي 22 و 23 أبريل 2002 بفالنسيا في سياق إقليمي ودولي اتسم بتأجج أعمال العنف بالشرق الأوسط.
و لم يسلم هذا المؤتمر من تبعات الصراع بالشرق الأوسط، فما إن تناول ممثل إسرائيل الكلمة حتى انسحب مندوبو الدول العربية، كما غاب عن المؤتمر بلدان عضوان في هذه الشراكة: سوريا و لبنان.
و رغم ذلك كله، تبنى المؤتمر بالأغلبية "خطة عمل فالنسيا" الهادفة إلى إنعاش المسلسل الأورومتوسطي بأبعاده الثلاثة الآنفة الذكر: خلق استقرار و رفاهية بالمتوسط، و إحداث منطقة للتبادل الحر في أفق 2010، و تقريب الشعوب. كما شملت الخطة مبادرات على المديين القصير و المتوسط تهم المحور السياسي والمؤسساتي، المحور الاقتصادي و المالي، ثم المحور الاجتماعي و الثقافي والإنساني.
و مما تم تبنيه على الصعيد السياسي و المؤسساتي ما يلي:
- خلق برلمان أورومتوسطي.
- تطوير آليات جديدة للتعاون السياسي ترتكز أساسا على مسألتي الديمقراطية و حقوق الإنسان.
- إدراج موضوع الإرهاب على أجندة المسلسل الأورومتوسطي لأول مرة، وذلك استجابة للانشغالات الناجمة عن أحداث 11 شتنبر2001.
و على الصعيد الاقتصادي و المالي، أكدت الخطة على ما يلي:
- خلق منطقة للتبادل الحر في أفق 2010 بين الاتحاد و شركائه الإثني عشر. و تجدر الإشارة هنا إلى أن جميع هذه البلدان، باستثناء سوريا، تربطها اتفاقيات شراكة مع الاتحاد.
- وجوب تكميل هذه الاتفاقيات بمسلسلات التكامل بين دول الجنوب، لا سيما مسلسل أكادير الذي جدد مؤتمر فالنسيا دعمه له.
- خلق آلية مالية جديدة في البنك الأوربي للاستثمار تهتم أساسا بتمويل القطاع الخاص.
- دعم الاستثمارات في ميادين البنيات التحتية، و شبكات النقل، و الاتصال، والطاقة.
أما على الصعيد الاجتماعي و الثقافي و الإنساني، فقد تم اتخاذ مجموعة من التدابير الكفيلة بالاستجابة لمتطلبات التحديات التي تطرحها كل من مسألة الهجرة و الحوار بين الثقافات، و من جملتها:
- إقرار برنامج للتعاون في ميداني القضاء و الشؤون الداخلية. و يتضمن هذا البرنامج تدابير لمكافحة تهريب المخدرات، و الجريمة المنظمة، و الإرهاب، و الهجرة السرية.
- تنظيم مؤتمر وزاري أورومتوسطي حول الهجرة بتونس و التي ستحتضن مقر مرصد التشغيل و الهجرة في البلدان الأورومتوسطية.
- تنفيذ برنامج عمل حول حوار الثقافات و الحضارات.
- إنشاء مؤسسة للتبادل الثقافي و الفكري و الاجتماعي.
- تعميم برنامج TEMPUS للتعاون الجامعي على كافة البلدان المتوسطية.
ج- إسهام الوفد المغربي في هذا المؤتمر:
كانت المملكة المغربية ممثلة بوفد هام ترأسه كاتب الدولة في الشؤون الخارجية والتعاون، السيد الطيب الفاسي الفهري، الذي أعرب بهذه المناسبة عن قلق المغرب إزاء التهديد الذي يجثم بكامل ثقله على السلام و الاستقرار بمنطقة حوض البحر الأبيض المتوسط، و كذا انشغال بلادنا بالوضع المأساوي الذي آل إليه الشعب الفلسطيني جراء عمليات التقتيل التي تنهجها إسرائيل.
و في السياق ذاته، جدد السيد الطيب الفاسي الفهري التأكيد على موقف المغرب القاضي بأن تسوية عادلة، و دائمة، و شاملة تضمن حق الشعب الفلسطيني في بناء دولة قابلة للحياة اقتصاديا و سياسيا و تضمن لكافة شعوب المنطقة الأمن والاستقرار، هي وحدها الكفيلة بإنهاء دوامة العنف و باستتباب السلام.
بهذه المناسبة أيضا، قدم المغرب للاتحاد الأوربي مذكرة تشمل مقترحات و تعليقات حول آليات إدارة الشراكة بين ضفتي المتوسط.
- ففيما يتعلق بالآليات، فإن المغرب يعتقد أن إحدى العراقيل التي يواجهها مسلسل برشلونة، الذي أعطيت إشارة انطلاقه عام 1995، تكمن في غياب بنيات ذات تمثيلية عادلة حقيقية تسمح بإشراك دول الجنوب في تدبير شؤون المسلسل. و في هذا السياق، ذكر المغرب بأن اجتماعا وزاريا واحدا عقد خارج دائرة دول الاتحاد الأوربي منذ 1995، و كان ذلك في مالطة عام 1997.
- أعرب المغرب عن رغبته في الفصل بين رئاسة الاتحاد الأوربي و الرئاسة التلقائية لجميع مؤسسات الشراكة. كما أنه عبر عن دعمه لفكرة الرئاسة المشتركة لهذه المؤسسات و التناوب بين الدول على عقد اللقاءات.
- من أجل تجنب "بيروقراطية زائدة" لمسلسل برشلونة، يجدر ضمان مرونة أكبر للوصول إلى المعلومات، و إلحاق موظفي بلدان جنوب المتوسط لدى المفوضية الأوربية حتى يتسنى لهم الاستئناس بقوانين الاتحاد الأوربي ومساطره.
- في هذا الإطار، تم اقتراح فكرتين، تتعلق إحداهما بخلق بنية دائمة لتبادل المعلومات بين المفوضية و بين سفارات بلدان جنوب المتوسط المعتمدة لدى بروكسيل، و تتعلق الثانية بإنشاء موقع على الأنترنيت خاص بالشراكة.
- فيما يتعلق بمحاور الشراكة فإن المذكرة أثارت الانتباه إلى طغيان الهاجس الأمني على المحاور الأخرى، بحيث لم يعد هناك متسع للحوار الذي تم اختزاله في إعطاء دول الجنوب معلومات عامة حول القضايا الأمنية، دون إشراكها جديا في صياغة "تصور للوضع الأمني المستقبلي في حوض المتوسط".
- ما فتئ توسع الاتحاد في اتجاه دول شرق أوربا يغير بشكل عميق بنيات الشراكة و آلياتها. و بهذا الصدد، سبق للمغرب أن دعا في العديد من المناسبات إلى إنشاء مجموعة عمل خاصة تنكب على دراسة الوقع الحقيقي لذلكم التوسع. و يقترح المغرب احتضان مؤتمر يشارك في أشغاله الاتحاد الأوربي و دول حوض البحر الأبيض المتوسط و دول أوربا الشرقية.
- و فيما يتعلق بالإنشاء التدريجي لمنطقة التبادل الحر فإن المغرب يرى أن الاتحاد الأوربي يظل الشريك الرئيس لبلدان جنوب المتوسط، إذ يصل حجم التعاملات معه إلى 52 % ، في حين أن التجارة الأفقية لا تتجاوز 5 %. حيال هذا الوضع إذن، يتوجب على دول الاتحاد الأوربي تشجيع التكامل ما دون الإقليمي، و ذلك عن طريق تقديم الدعم القوي لا سيما لمسلسل أكادير الذي يقترب موعد دخوله حيز التنفيذ. و بهذه الصدد، يرى المغرب أن لا مناص لاتحاد المغرب العربي من التسليم بهذا المنطق، و من ثم يتوجب عليه "أن يحقق انطلاقته استنادا إلى قواعد متينة، و قابلة للحياة، و بناءة".
- في الشق المرتبط بالتعاون المالي يسجل المغرب أن تدفق الاستثمارات الأجنبية من دول الشمال نحو دول جنوب المتوسط يظل دون تطلعات هذه الأخيرة و مؤهلاتها. و قد أعرب المغرب عن أسفه لكون مقترح إنشاء بنك أورومتوسطي لم ير النور بعد. و تجدر الإشارة إلى أن هذه الفكرة كانت قد انبثقت خلال المجلس الأوربي الذي انعقد ببرشلونة في مارس 2002. ومهما يكن من أمر فإن المغرب يقترح احتضان هذا البنك اعتبارا لأن تمركزه في دولة من دول الجنوب يشكل دلالة رمزية بالغة الأهمية.
و عند نهاية أشغال المؤتمر، اتفق وزراء الخارجية على عقد لقاء وزاري غير رسمي خلال النصف الأول من عام 2003 على أن يعقد المؤتمر الوزاري الرسمي )برشلونة 6( خلال النصف الثاني من السنة نفسها بإيطاليا. و ستكون خطة العمل موضوع تقييم أولي خلال المؤتمر الرسمي.