خطاب السيد الطيب الفاسي فهري، كاتب الدولة في الشؤون الخارجية و التعاون، أمام المؤتمر الوزاري لمكتب تنسيق حركة دول عدم الانحياز

دوربان في 29 أبريل 2002

السيدة الرئيسة،

 

اسمحوا لي في البداية أن أتوجه بخالص الشكر لكم سيدتي الرئيسة ولحكومة جنوب إفريقيا على التحضير الجيد والتنظيم المحكم لهذا الاجتماع مما سيوفر لا محالة كل الظروف الملائمة لنجاحه.

 

السيدة الرئيسة،

 

إن اجتماع اليوم ينعقد في سياق ظرفية دولية صعبة للغاية، تتسم خاصة بالتداعيات السلبية لأحداث 11 شتنبر المأساوية وبتراجع مقلق لآفاق السلام بالشرق الأوسط.

كما يأتي هذا الاجتماع غداة مؤتمري الدوحة و مونتيري الذين عقدت عليهما الدول الأعضاء آمالا كبيرة فيما يتعلق بالمساعدة على التنمية.

إن عملية التقييم التي سنقوم بها، حول هذه المسائل وقضايا أخرى لا تقل أهمية، ستمكننا بدون شك من قياس دور الحركة في عالم متحول، ومعرفة حدود هذا الدور واستشفاف عناصر تطويره وزيادة حيويته.

 

السيدة الرئيسة،

 

إن حركتنا اليوم تجد نفسها أمام واقع دولي جديد. فالتغيرات الجذرية التي عرفها العالم، خاصة بفعل اتساع آثار العولمة والثورة التكنولوجية لاسيما في ميدان الاتصالات، تحتم على حركتنا إعادة النظر في أساليب عملها ومراجعة أولوياتها وعلاقاتها مع المحيط الدولي الجديد وكذا إعادة تقييم مواقفها حيال القضايا الدولية.

كما أن حركتنا مدعوة أيضا إلى إعادة النظر في علاقاتها مع التكتلات الأخرى لا سيما مجموعة 77 من أجل توزيع عقلاني للأدوار، ضمانا لفعاليتها ومصداقيتها وانسجامها.

 

السيدة الرئيسة،

 

لقد بلغ النزاع العربي الإسرائيلي ذروته بسبب التعنت الإسرائيلي وسياسة شارون التوسعية التي لا تعبأ بالشرعية الدولية وترهن كل إمكانية للسلام في الشرق الأوسط.

ولعل أبلغ تجسيد لهذه السياسة العدوانية هو رد قوات الاحتلال الإسرائيلية على مبادرة السلام العربية، والذي تمثل في إعادة احتلال كامل للمدن والقرى التي كانت تابعة لنفوذ السلطة الفلسطينية، وفي فرض حصار شامل على الفلسطينيين بما فيهم الرئيس عرفات. لقد قامت قوات الاحتلال بتدمير المباني واعتقال وتقتيل الأبرياء دون احترام لقرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن، ورغم إدانة المجتمع الدولي بأكمله لهذه الأفعال.

لقد أصبح أكثر بداهة من أي وقت مضى أن السلام في الشرق الأوسط رهين بتمكين  الشعب الفلسطيني من حقوقه غير القابلة للتصرف بما فيها حقه في إقامة دولة مستقلة على أرضه وعاصمتها القدس. كما أصبح واضحا أيضا أن سياسة إسرائيل  القمعية وممارساتها الهمجية لن تؤدي سوى إلى تأجيج وتقوية الانتفاضة. كما أنها لن تنجح في إخضاع الشعب الفلسطيني وفي فرض الأمر الواقع.

 وفي إطار الجهود الرامية إلى وضع حد لهذا النزاع، تبنت القمة العربية التي انعقدت ببيروت مبادرة الأمير عبد الله، والتي قد تسمح بإقامة سلام شامل مقابل تحرير كلي للأراضي الفلسطينية والعربية المحتلة وفقا للشرعية الدولية بما فيها قراري مجلس الأمن رقم 242 و 338.وحتى تحقق هذه المبادرة العربية أهدافها فإنها تحتاج إلى دعم المجتمع الدولي  ولاسيما حركتنا ومجلس الأمن، الذي يتوجب عليه أن يتخذ كل التدابير اللازمة لحمل إسرائيل على قبول هذه المبادرة ووضع حد لحربها على الشعب الفلسطيني ولاحتلال الأراضي الفلسطينية والعربية، وكذا تفكيك المستوطنات وإطلاق سراح المعتقلين وضمان حق العودة للاجئين.

 

السيدة الرئيسة،

 

لقد عرفت القارة الإفريقية خلال السنتين الأخيرتين تقدما ملموسا في حل بعض النزاعات. وخير مثال على ذلك النزاع بانغولا حيث وقعت الحكومة الانغولية وحركة اليونيتا على اتفاق لوقف إطلاق النار والذي تتوفر له كل المقومات والحظوظ ليصير نهائيا ولا رجعة فيه.

كما هو الشأن أيضا فيما يتعلق بالنزاع في سيراليون، حيث أن تظافر جهود الأمم المتحدة والمجموعة الدولية بدأ يعطي ثماره فيما يخص تطبيق برنامج نزع السلاح، وحل المجموعات المسلحة وإعادة البناء. ولقد أدى هذا التطور الإيجابي إلى تحسين المناخ السائد في منطقة نهر مانو.

وتعتز بلادنا بالمساهمة في حصول هذا التطور، حيث احتضنت يوم 27 فبراير الماضي، تحت رعاية صاحب الجلالة الملك محمد السادس، اجتماعا لرؤساء دول غينيا وليبيريا وسيراليون. ولأجل متابعة نتائج هذه القمة انعقد يوم 8 أبريل بالمغرب اجتماع وزاري بمشاركة الدول الثلاث. ومنذ ذلك التاريخ تم احترام الجدول الزمني وتم الاتفاق على خطة للعمل، كما شرع في تنفيذ أولى الإجراءات العملية.ويود المغرب أيضا أن يعبر عن ارتياحه لقرب إجراء انتخابات رئاسية مفتوحة في سيراليون.

وعلى الرغم من أهمية هذا التطور، فإنه سيظل محدودا إذا لم تتقدم منطقة نهر مانو بأكملها نحو السلام والاستقرار. فبعد جمعه لمؤتمر القمة الأول، الذي مكن من استعادة الثقة على أعلى المستويات في البلدان الثلاث، وجه جلالة الملك محمد السادس دعوات لقمة ثانية سوف تنعقد قريبا في المغرب، من أجل تقييم النتائج المشجعة للمرحلة الأولى وتحديد الخطوات المستقبلية التي يجب اتخاذها في إطار المصالحة وإعادة البناء في منطقة نهر مانو.

كما أن تهدئة الأوضاع بجمهورية الكونغو الديمقراطية من شأنه أن يهيئ ظروف النجاح للحوار في هذا البلد. وفي هذا الإطار أود الإشادة بالدور البارز لحكومة جنوب إفريقيا وتوجيه الشكر لها على ما قامت به من أجل إيجاد حل للنزاع الذي يهز هذا البلد.

وفي نفس الاتجاه لم يتأخر المغرب في الاستجابة للنداء الأممي للمشاركة في "بعثة الأمم المتحدة إلى الكونغو" التي تلعب دورا مفيدا ومهما للغاية في حل هذا النزاع.

وبصفة عامة فان التعاطي مع النزاعات في إفريقيا يستوجب مقاربة تتلاءم مع طبيعة وتعقد هذه النزاعات، التي تتميز على الخصوص بتواجد شبكات غير حكومية عبر حدودية في خدمة مصالح خاصة، وبتأجج الصراعات العرقية وبآثار المتاجرة غير القانونية في الأسلحة.

 

السيدة الرئيسة،

 

إنه لمن دواعي الارتياح والفخر لنا جميعا في حركة عدم الانحياز أن نرى مناطق كثيرة في قارتنا الإفريقية تتخلص تدريجيا من النزاعات وتتجه نحو الاستقرار وإعادة البناء والمصالحة. ويعتز بلدي بمساهمته في هذا الإنجاز بطرق متعددة. وإن قارة إفريقية خالية من النزاعات ومجندة من أجل تقدمها الاقتصادي والاجتماعي ستشكل دعامة كبيرة لحركتنا.

وتواجه القارة الإفريقية أوضاعا صعبة بسبب المناخ الاقتصادي والاجتماعي الذي تزيد من هشاشته مستلزمات العولمة ومختلف الاختالالات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي تعاني منها.

وإذ نسجل المجهودات المبذولة من طرف الأمم المتحدة وكل المبادرات المتخذة، من قبيل "شراكة جديدة من أجل التنمية في إفريقيا"، فإنه يتعين التذكير بأن على حركة عدم الانحياز القيام بدور أكثر فعالية من أجل مساعدة الدول الإفريقية على مكافحة الفقر والقضاء عليه وحل النزاعات ومواجهة كل التحديات في ميدان النمو الاقتصادي والاجتماعي وإرساء قواعد سليمة للديموقراطية.

ومن أجل تجاوز نزاعاتها، فإنه من الأهمية بمكان أن تستطيع إفريقيا تنظيم نفسها بنفسها ولمصلحتها. ولهذا فإننا نثمن عاليا السيرورة التي أطلقها مشروع "شراكة جديدة من أجل التنمية في إفريقيا"، وخصوصا جهود السنغال من أجل إغنائه وإنجاحه.

 

السيدة الرئيسة،

 

إن المغرب الذي خضع للتقسيم خلال فترة الاستعمار، عمل على استكمال وحدته الترابية تدريجيا من خلال إبرام اتفاقيات متتالية خاصة مع إسبانيا سنة 1956 بخصوص الشمال، ومنطقة طرفاية سنة 1959، وسيدي افني سنة 1969، وأخيرا الأقاليم الصحراوية سنة 1975.

 

       ومنذ ذلك التاريخ، خلقت الجزائر وغذت نزاعا مصطنعا حول الوحدة الترابية لبلدنا. والمغرب، الذي يتشبث بمبدأ الحل السلمي للخلافات، قبل بإجراء استشارة لسكان الأقاليم الصحراوية لإنهاء هذا النزاع.

ولقد شاركنا بحسن نية في مسلسل تنظيم الاستفتاء تحت إشراف الأمم المتحدة. غير أننا نجد أنفسنا مرغمين أن نلاحظ مع الأمين العام لمنظمة الأمم المتحدة، بأن المسلسل وصل إلى طريق مسدود وأنه لن يكتمل. والعراقيل التي وضعها البعض لإجهاض هذه العملية معروفة جيدا لدى المتتبعين.

وفي ظل هذه الظروف، اقترح الأمين العام وممثله الشخصي، السيد جيمس بيكر، في يونيو الماضي، مشروع الاتفاق الإطار الذي يقوم على تفويض  صلاحيات واسعة للسكان في إطار احترام السيادة المغربية.

ورفضت الجزائر والبوليزاريو الدخول في مفاوضات على أساس هذا الاتفاق الإطار كما أوصى بذلك مجلس الأمن في قراره رقم 1359 المؤرخ في 29 يونيو 2001. بل أكثر من ذلك، اقترحت الجزائر تقسيم تلك الأراضي غير عابئة بأي انسجام مع ما تسميه مواقفها المبدئية.

والمغرب، الذي يرفض فكرة التقسيم، التي تعيد إلى الذاكرة بعض المناورات التي عانت منها إفريقيا بأكملها، يجدد رسميا التزامه بالعمل من أجل حل سلمي يمكن السكان من التدبير المباشر لشؤونهم المحلية. وهذا حل ملائم سيسمح لإخواننا الصحراويين المحتجزين في المخيمات بالجزائر، منذ أكثر من خمس وعشرين سنة، باسترجاع كرامتهم وكرامة أبنائهم.

من هنا، فإن المغرب يدعو بصدق الشقيقة الجزائر إلى مباشرة حوار صريح، صادق وشامل من أجل إيجاد حل نهائي لهذا الخلاف، ومن ثم فتح المجال أمام انطلاقة فعلية وذات مصداقية، وعلى أسس سليمة، لجهود اندماج جهوي في إطار المغرب العربي.