مدونة الاسرة ، دعامة قوية لتحصين حقوق المراة والنهوض بالطفولة .
مدونة المرأة ، ثورة اجتماعية وسياسية حقيقية
شكل الخطاب التاريخي لجلالة الملك محمد السادس تحت قبة البرلمان ، منعطفا هاما بالنسبة للمرأة المغربية لتجديد العهد بالكرامة والعدالة ، من خلال استعادتهن لحقوقهن.
فقد شكلت مدونة الأسرة ، التي اعتبرها الملاحظون "ثورة اجتماعية وسياسية حقيقية" مرحلة هامة ، تؤسس لنمط جديد من العلاقات داخل الأسرة المغربية ، علاقات تقوم على المساواة والاحترام والتشاور وتقاسم المسؤولية بين الزوجين . لذلك ، ومن خلال تحصين وتكريس مبدأ المساواة ، وتمكين المراة من حقوقها ، فإن مدونة الأسرة ، تعبر بشكل واضح عن الإختيارات المجتمعية للمغرب ، والقائمة على المساواة والإنصاف .
والواقع أن جلالة الملك محمد السادس ، منذ اعتلائه العرش ، ما فتىء يؤكد عزمه إعطاء دفعة قوية لحقوق المرأة المغربية وتحصين هذه الحقوق بكل الضمانات القانونية .
وفي هذا السياق قال جلالة الملك متسائل ، في خطاب عشرين غشت 1999 وهو يذكر بما جاء في خطاب جلالته أمام البرلمان في العاشر من اكتوبر 2004 .. "كيف يتصور بلوغ رقي المجتمع وازدهاره والنساء اللائي يشكلن زهاء نصفه تهدر مصالحهن في غير مراعاة لما منحهن الدين الحنيف من حقوق ، هن بها شقائق الرجال ، تتناسب ورسلتهم السامية في إنصاف لهن مما قد يتعرضن له من حيف او عنف مع انهن بلغن مستوى نافسن به الذكور، سواء في ميدان العلم او العمل ".
ولقد مكن الإصرار على وضع اسس إصلاح مجتمعي شامل من صياغة مدونة للأسرة تعيد النظر في نصوص كانت تعتبر ثابتة لا يلحقها التغيير . وفي هذا السياق ، تم الإعتماد على "الإجتهاد" في اعداد مشروع القانون الجديد الذي عرض على البرلمان في 23 دجنبر 2003 ، مما جعله يعكس التحولات العميقة التي عرفها المجتمع المغربي في السنوات الأخيرة .
ويمكن اعتبار الصيغة الجديدة لقانون الاسرة ، وعلى جميع المستويات ، تقدما تاريخيا لا مراء فيه ، وثورة اجتماعية أصيلة ، تضع اسس مجتمع سليم ، تقوم في ظله العلاقات داخل الأسرة على أسس من العدالة والإنصاف والتوازن والمساواة في الحقوق والواجبات.
ويمكن القول بكل تأكيد أن المدونة الجديدة المصادق عليها بالإجماع من طرف البرلمان ، قد جاءت لتلغي "الوصاية الأبوية" ، وتحدد الواجبات والمسؤوليات المتبادلة بين الأزواج ، بما في ذلك الحق في طلب المشورة عندما يتعلق الامر بالقرارات التي تهم الأسرة ، وإستبدال الطلاق التعسفي بالطلاق القضائي ، مع جعل تعدد الزوجات أمرا يكاد يكون مستحيلا ، فضلا عن تعزيز حماية حقوق الطفل .
ما هي المستجدات التي جاءت بها المدونة ..
بموجب احكام المدونة الجديدة ، اصبحت الأسرة تخضع للمسؤولية المشتركة للزوجين ، حيث أصبحا معنا يتمعان بحقوق وواجبات متساوية . كما ان المراة الراشدة اضحت سيدة اختيارها ، تمارسه بمحض إرادتها وكامل حريتها . اضافة الى ذلك تم تحديد سن الزواج في ثمانية عشر عاما بالنسبة للجنسين ، بدل 18 سنة للذكر ، و 15 سنة للأنثى ، كما كان معمولا به من قبل .
والى جانب ذلك ، فقد ألغى النص الجديد الطلاق التعسفي ، وأسس لمبدإ الطلاق بالتراضي تحث مراقبة القاضي. وضمانا لمبدأ المساواة والإنصاف بين الزوجين ، أصبحت تنص المدونة في صيغتها الجديدة على رفض طلب الطلاق الذي تتقدم به الزوجة بسبب الإهمال وعدم الإنفاق ، إذا ما تبين أنها تملك الوسائل التي تمكنها من تلبية حاجياتها وأن الزوج عاجز عن ذلك.
مستجد آخر جاءت به المدونة الجديدة ، ويهم هذه المرة وضعية الاحفاد من جهة الأم ، حيث أصبح في وسع هاؤلاء أن يرثوا في جدهم إسوة بالأحفاد من جهة الأب . أما بخصوص حضانة الطفل ، فقد أضحى بإمكان البنت ، إسوة بالإبن ، أن يختارا الجهة التي تتولى حضانتهما منذ سن الخامسة عشرة .
وإستنادا إلى أحكام المدونة الجديدة أيضا ، بات القضاء يضطلع بدور محوري ، شأنه في ذلك شأن ممثل الحق العام ، في التدخل للسهر على تطبيق أحكام المدونة من خلال اتخاذ الاجراءات المواكبة ، من قبيل إحداث محاكم الأسرة وخلق صندوق للتضامن العائلي.
ومن بين المستجدات التي جاءت بها مدونة الاسرة أيضا ، يجدر التوقف عند مسألة شكلت على الدوام احد المطالب التي طالما نادت المنظمات والهيات النسائية بتضمينها في المدونة الجديدة ، ويتعلق الأمر بإقتسام الزوجين للممتلكات التي تم اكتسابها خلال فترة الزواج . كما تضمن النص المتعلق بالحق في إقتسام الممتلكات إمكانية لجوء الزوجين إلى إبرام عقد منفصل عن عقد الزواج يتم بموجبه تحديد إطار تدبير وإستثمار الممتلكات المكتسبة أثناء فترة الزواج.
المدونة والاهتمام بالطفولة دائما وابدا ..
ظل التطلع إلى العمل على توفير وضع إعتباري وقانوني للطفل واحاطته بكل الضمانات الخاصة بتأمين نموه وتفتحه وتكامل شخصيته ، حقلا آخر تعبأت له في السنوات الأخيرة، السلطات الحكومية والأحزاب السياسية والمنظمات غير الحكومية ، فكانت الحصيلة ايجاد ترسانة من القوانين والتشريعات المتجانسة المتلائمة مع التشريعات الدولية في مجال الاهتمام بالطفولة وحمايتها .
ويمكن في هذا الصدد اعتبار النقاش الواسع الذي أثير حول سوء معاملة الأطفال واستغلال القاصرين ، ترجمة عملية لنضج مجتمع أصبح يتعاطى بجرأة وبدون خجل مع مشاكله الأكثر حرجا. وفي هذا المضمار يمكن اعتبار برلمان الطفل ، منبرا حرا يسمح للأطفال بالتعرف على حقوقهم.
إن هذا الاطار المهيكل والقائم على التبادل والنقاش الطموح الذي يطبعه الدوام والاستمرارية ، لا يروم فقط ، تعزيز ثقافة المواطنة وتنشئة الأطفال وفق قيم الديمقراطية ، بل من شأنه أيضا أن ينتج رؤية أفضل لمسألة حقوق الطفل بإعتبارها الضمانة الوحيدة لتحسين وضعية الطفولة المحرومة.
ويمكن القول بحق ، ان القواعد الذهبية الإحدى عشر المضمنة في مدونة الأسرة ، تشكل اطارا لتحقيق اصلاح شمولي ، حيث يمكن في هذا الإتجاه ، اعتبار النهوض بحقوق المراة وحماية الطفل ، تكريسا لدعم حقوق الإنسان ، مع تعميق قيم المواطنة ، كلها ، أوراش مفتوحة ، هدفها الرئيسي بناء دولة ديمقراطية حديثة ، وجعل المغرب مرتبطا بشكل وثيق بقيم ومبادىء القرن الواحد والعشرين.
|