رواق الصور  
 

الإســلام في المغرب

لم يقع الإسلام في المغرب على حقول مهجورة خالية ولا عقول مستكينة ثاوية أو أرواح ميتة ذاوية. وإنما عانق مجالا نابضا له تراثه وله أمجاده وله اتصاله.. فجاء الإسلام ممارسا في هذه الأرض ـ بحق ـ وظيفة التصديق والهيمنة، ودخل من ثم في حوار قدسي بناء مع هذا المجال أرضا وإنسانا. فكان هذا التاريخ المتميز المجيد...

"تاريخ الإسلام في المغرب"

وجد الإسلام المغاربة قد عاقروا حضارات متعددة، وعانقوا ديانات وتجارب روحية متنوعة، أخذوا منها وردوا، وعرفوا وأنكروا، فمن حضارات فينيقية ورومانية ووندالية، ومن تدينات فسيفسائية وأخرى كتابية.. نمى كل ذلك عندهم حسا نقديا حضاريا عاليا أهلهم لا لأن يقبلوا هذا الدين الإسلامي فقط ولكن لأن يحملوه وفق أنموذجية فريدة لم تزدد إلا ألقا ووضاءة عبر العصور. إنه أنموذج الطوع الميسر للقطائع التمـﱡثلية والتصورية والسلوكية التلقائية السلسة والتي بدونها لا يمكن الدخول كافة في معمار اعتقادي وتعبدي جديد أو بتعبير النص القرآني:  يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة 
( الآية 208 من سورة البقرة).

وبناء على ما سلف فقد صار الإسلام مندمجا مع ما كان في هذه الأرض، متواشجا معه، أصبح روحا هفهافة سكنت مجالا أوب معها أرضا وإنسانا، وتأقلم حفظا ونفيا ليكون بما فيه وما عنده، التجسيد الأمثل الممكن لصفائها وتوقها وشوقها..
وما رد المغاربة للفضاضة الأموية في التسيير والتدبير، ورفضهم للدوغمائية العباسية في السياسة والتقدير، أو نفيهم لنمط التطلعات البورغواطية والعبيدية للاستقلال والتحرير وتمنعهم على النزعات الخارجية الرستمية والصفرية والزرقية للتقويض والتدمير، ما ذلك كله إلا أدلة على أنهم قد استبطنوا منهج تمثل خاص للإسلام اعتقادا وعملا...أنموذجا به يقبلون ويردون ويأخذون ويذرون.. إلى أن أناخت قصواء هويتهم بباب دار أهل الدوحة الشريفة مع مقدم المولى ادريس الأول ـ رحمه الله ـ ولم يبغوا عن ذلك بديلا إلى يوم الناس هذا.. فتأسس ـ بانسياب ـ في هذا البلد أنموذج المجتمع والدولة الذي تاق إليه المسلمون في المشارق والمغارب، وانبلج عن ذلك صبح استقرار نفسي مكين ركين لم توهه القلاقل التي تعرفها الدول والمجتمعات، استقرار اندهقت بوجوده نهضة علمية موارة لها سمتها ونكهتها المتميزان وأكلها الإضافي المتفرد، وإن سقيت كغيرها من النهضات العلمية في العالم الإسلامي بماء نـص مـــؤسس

واحد..إن الذين اصطبروا على الهجرة إلى المغرب في العهود التاريخية السابقة وكابدوا العيش في هذا البلد الذي كان يسمى "المغرب الأقصى" وكان البحر / المحيط الذي يحده غربا يسمى "بحر الظلمات" وعاشوا ضمن تضاريس سلاسل الريف والأطلس الجبلية التي فرضت قسرا "اليقظانية الحياتية" استعارة من رائعة الفيلسوف المغربي ابن طفيل " حي بن يقظان".
إن هؤلاء الذي رغم كل هذه العوامل ثبتوا في هذا المجال قد طوروا واقعية وصفاء طبعيين متميزين جعلاهما بتلقائية يرفضون كل الاورام الفكرية والمنهجية التي تمكنت فيارسها من النماء في مجالات أخرى بما نشأ عندهم من "القصد" تعدى حتى إلى المجال اللغوي حيث تنفى الأصوات والألحان والأجراس الزائدة في العربية المغربية، وهو ما يبرر اختيارهم لقراءة ورش المبنية على التسهيل، وهو ما جعلهم يقبلون من الفقه فقه مالك صاحب الموطأ أي الميسر ـ المسهل، فقه مالك الذي حين ناظر أبا يوسف حول الصاع وطفق أبو يوسف صاحب أبي حنيفة ـ مؤسس مذهب العراق ـ يجترح ويفترع الأدلة لبيان معنى الصاع نظريا نادى مالك في أصحابه: "من يأتيني بصاع جده" فانطلق سبعون منهم كلهم حفيد صحابي وأتوا بصيعان أجدادهم المجازة من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم.. منهج و منهج..!
أو ليس المغرب هو البلد الذي برز فيه "شفاء" القاضي عياض و " بيان الوهم والإيهام" لابن القطان الفاسي و "موافقات" الشاطبي ؟!

إن سمة الصفاء والواقعية هذه نفسها هي التي جعلتهم في العقيدة ينفرون من تسطيحات أهل الظاهر وتقعرات أهل الاعتزال إلى منهج جامع معتدل بين هو منهج أبي الحسن الأشعري رضي الله عنه. وهو كذلك ما جعلهم في السلوك يصطفون منهج الجنيد رضي الله عنه الذي جمع بين التشرع والتحقق، فكانت هذه الاختيارات اللبنات التي بها عبدت ورصفت محجة الوحدة المغربية التي تأبت وتتأبى على الانفصام والتصديع.
إن التتبع لمنهج التولية في مناطق المغرب وتقطيعها إلى ولايات في الدول المحلية المتعاقبة على حكم هذا البلد بالإسلام طوعا لا قهرا، إذ لم يحكم المغرب قهرا قط في تاريخه ـ اللهم إلا في فترات لم تطل ـ إن هذا التتبع يجلي مدى الاستبصار بطبيعة البلد وأهله الذي طبع هذه التقطيعات والتوليات، بحيث روعيت فيها بصمات التاريخ على طبائع أهل المناطق وتيمم فيها شطر التوحيد المندمج بين المغاربة بحيث روعيت الطاقات والمبادرات المحلية وأفيض من عند أهل الفائض على أهل الاحتياج، وقد برزت هذه المنهجية الموفقة أيما بروز عند كل الدول المتعاقبة بدون استثناء. ومن آخر معالم ذلك نقل علماء الدلاء إلى كافة مناطق المغرب وتعميم الخيرات والزكوات المادية والمعنوية بين مكناسة الزيتون، وشاوية الخبء، ودكالة الثمرات، وعبدة الزرع، وماسة الضرع، وسراغنة الدهن والصبغ، وأطلس المكسرات والحماية، وسوس العلم والحفظ، وصحراء الضاد، وريف العبقر والحفاظ، وشرق المنعة والثبـــات،

وسجلماسة القرآن، و"علم" الصلوات، وحاحة أركان، وشتوكة الخضروات، وغيرها، تعميم تم في نسيج بديع أسهمت فيه تقديرا لسرده بتناسق مؤسسات على رأسها مؤسسة إمارة المؤمنين المبنية على الشرف بإشرافها وتوجيهها وتحكيمها ثم مؤسسةالزوايا الصوفية العالمة بنموذجيتها ومثابرتها على التعليم والإرشاد ـ معانة من لدن إمارة المومنين ـ بكل الوسائل الممكنة من مكتبات ومساجد ومواسم وجولات يرفد كل ذلك تفقدات أمير المومنين المتعاقبة وظهائره، ويرحم الله المولى إسماعيل القائل " شريف أحسن من حركة"، فانبنى نسيج اجتماعي مكين متناسق متعاون متكافل كريم مستعد للنفرة في كل لحظة، نفرة من معالمها وادي المخازن والمسيرة الخضراء لا عوج في ذلك ولا أمت. فكان هذا المجتمع ذو التدين الاغتباطي المنطلق غير المكتئب الجميل المبدع في تكافله المقبل الجواد، الذي تشهد عليه أوقاف المغاربة في المغرب والمشرق، والتي بلغ فيها الإبداع حد الوقف على الطير والخيل، والمواساة للخدم والصبيان الذين يكسرون آنية ويخافون من العقوبة، وكذا هذا النسيج المسجدي القشيب مبنى ومعنى (أزيد من 33 ألف مسجد)، وهذا الإبداع العلمي الرصين، والصوفي العاشق، والفني الرائق، والتدبيري المسابق، إذ أبدع المغاربة عبر عصورهم المختلفة المؤسسات التي تشرف على كل هذا الرفد وذاك العطاء غير المجذوذ. ومن آخر تمظهرات ذلك هذه الهيكلة التي شهدها الحقل الديني مؤخرا والتي أسفرت عن انبثاق وتكوين مجالس علمية وإصلاحات أسرية، وتأسيس المجلس العلمي الأعلى والهيأة العليا للإفتاء، وهي مؤسسة لا تعدو كونها تحيينا لمؤسسة

مشيخة العلماء التي تختص بالتأهيل والتكوين والفتيا في ولاء ناصح معضد لمؤسسة إمارة المومنين..
إن هذا النسيج البديع الإندماجي هو الذي وسم المغرب في الماضي والحاضر بالقدرة على فحص الوافد بعين الناقد نفيا لزبده واستدماجا لعتده وكذا وسمه بأهلية ووفاء النظر في التالد ومراجعته وفتنه، للحفاظ على إبريزه وتخليصه من إبليزه الذي يعلق بكسب الناس، وفهوم الناس، المحكومة بالسقوف المعرفية المتوالية، ـ فكان هذا المغرب الأصيل المنفتح، والتليد المتسامح، المستقل المتشارك، المتشرع المتحقق، القاصد الجميل، الأبي المتطلع، الذي أهله كل هذا الكسب الكادح لأن يكون نموذج الصيب الحضاري القابل للاندماج والشراكة العالميين البناءين دون أن يتيه عن تفرده وجذوره.
كان هذا هو الذي أهله لأن يكون المغرب المسلم الحديث.

 
  future@maec.gov.ma 2004©B3G