رواق الصور  
 

خمس سنوات من الاصلاحات من أجل ترسيخ أسسالمجتمع الديموقراطي الحداثي


بالرغم من السياق الجيو سياسي العالمي الذي يتسم بالصعوبة وبتصاعد التطرف والاصوليات ، إختار المغرب خوض غمار توطيد النهج الديمقراطي وترسيخ سياسة الإصلاح .
وفي هذا الاطار ، تحرص المملكة على تحصين مسارها من كل تراجع الى الوراء ، وبالتالي جعل هذا المسلسل الاصلاحي أمرا لارجعة فيه .
ولتحقيق هذا الهدف ، اعتمد المغرب سلسلة من الاصلاحات التشريعية والتنظيمية في أفق توسيع حقل الحريات والممارسات الديموقراطية. وتضطلع الأحزاب السياسية والهيئات النقابية والمنظمات غير الحكومية في كل مرحلة من مراحل مسلسل الاصلاح ، بالأدوار التي ينيطها بها الدستور.
وفي هذا الاطار ينص الفصل الثالت من الدستور على أن " الأحزاب السياسية والمنظمات النقابية والجماعات المحلية والغرف المهنية تساهم في تنظيم المواطنين وتمثيلهم "
وتحكم هذا الأفق الإصلاحي ، رؤية ومبادرات جلالة الملك محمد السادس منذ اعتلائه العرش في 23 يوليوز 1999 ، وذلك سعيا من جلالته لتحقيق مشروع مجتمعي يقوم على الانخراط النهائي للمغرب في مناخ تعمه الديموقراطية والحداثة.
ويتعلق الأمر هنا بالقيام بعمل حقيقي وجوهري يتمثل في إعادة هيكلة المجتمع سواء من خلال إعادة الاعتبار لدور الأسرة وتكريس ثقافة حقوق الإنسان وسياسة القرب والمشاركة أو من خلال تحديث الإدارة والقضاء وترسيخ التضامن الاجتماعي وتحقيق التنمية الإقتصادية المستدامة .
وتندرج هذه المقاربة المتعددة القطاعات في إطار المفهوم الجديد للسلطة ، حيث يلاحظ أن المجتمع المغربي، خلال الخمس سنوات الأخيرة، بدأ يعيش تحولات حقيقية خاصة على مستوى التعاطي مع الشأن السياسي وذلك بفضل التحرر من قيود الماضي واكراهاته والإنطلاق نحو ممارسة " السياسة بشكل آخر " . وفي هذا الصدد ، تمكن المغاربة من تحقيق المصالحة مع أنفسهم ، وهو ما جعل مسؤولا مغربيا رفيعا يصف هذه الوضعية الجديدة ب " ماي 68 الدائم " في اشارة الى التظاهرات الطلابية الشهيرة المطالبة بالاصلاح في فرنسا سنة 1968 .
ويدرك المغرب أن طموحه الى مغرب جديد، هدف تعترض تحقيقه عدة عوائق خاصة على المستوى الإجتماعي، حيث تشكل الأمية والبطالة وقلة الإستثمارات والتأخير الحاصل في تأهيل عدد من القطاعات . وهي نقاط عجز كان لا بد من العمل على تقليصها وامتصاصها . ومع ذلك فالامل يضل قويا في تجاوز النقائص والمشاكل بفضل الارادة الراسخة التي تميز سياسة المملكة وروح التعبئة التي تتنامى في أوساط المجتمع ، وأيضا اذا ما أوفت الدول والمؤسسات الشريكة للمغرب بالتزاماتها .
وقد اختارت المملكة المغربية في هذا الاطار ، المراهنة على خيار التعاون سواء على الصعيد الثنائي أو متعدد الأطراف في أفق تشجيع وتثبيت التوجهات الأساسية التي رسمتها. وتعول المملكة على شريكائها من أجل مواكبة جهودها في تحقيق استراتيجية حقيقية للتنمية المشتركة . ذلك أنه من غير الممكن العمل بشكل منفرد على مواجهة العدد المتنامي من المشاكل مثل الإرهاب والتجارة غير المشروعة والهجرة السرية وبعض الكوارث الطبيعية .
كما يتطلع المغرب الى أن يقدم شركاؤه المزيد من الدعم للمشروع المجتمعي الذي يسير جلالة الملك محمد السادس قدما نحو تحقيقه.
وعلى مستوى العلاقات الخارجية للمملكة، فقد أكد جلالة الملك عزمه الصادق للعمل من أجل ترسيخ اتحاد المغرب العربي على أساس احترام الوحدة الترابية للمملكة ولجميع دول المنطقة .
وباعتباره رئيسا للجنة القدس، مافتىء جلالته يساهم في الجهود الرامية الى تحقيق سلام عادل ودائم بالشرق الاوسط بشكل يترجم على أرض الواقع قيم ومبادىء التسامع والحوار والتعلق بالسلام التي تشكل بالنسبة للمغرب خيارا لارجعة فيه ، وهي نفسها القيم والمبادىء التي تحكم انتماء المغرب الى الفضاء الأورو متوسطي وانفتاحه على القارة الأمريكية والتزامه اتجاه افريقيا في اطار مبادرة ( نيباد) للشراكة ، ونشاطه في اطار مجموعة 77 زائد الصين ومساهمته في بعثات حفظ السلام التابعة لامم المتحدة ( وخاصة منها البوسنة ،الصومال وكوسوفو) .

بناء دولة القانون

حرص جلالة الملك محمد السادس منذ توليه العرش على العمل من أجل توطيد المسلسل الديمقراطي عبر اعتماد مجموعة من الاصلاحات سواء منها التشريعية او التنظيمية ، وذلك في أفق جعل هذا المسلسل أمرا لارجعة فيه.
وبفضل هذه الإرادة الملكية الواضحة والاكيدة ، فقد توسعت دائرة الحريات العامة والممارسات الديموقراطية بشكل منهجي .
ونتيجة لهذا الانفتاح السياسي ، لم يلبث النموذج المغربي يشكل مرجعا بالنسبة للعديد من بلدان الجنوب التي لم تتردد في السير على نهج المملكة .
ان هذا العمل التجديدي الذي يقوده جلالة الملك منذ خمس سنوات ، وبالرغم من أنه لازال في بداياته ، فإنه يكشف عن تحول عميق بدأ يبرز في المجتمع المغربي مما جعله ينخرط في سياق الحداثة الملائمة لهذا القرن.
ويمكن تحديد الخطوط العريضة للمشروع المجتمعي الذي رسمه جلالة الملك محمد السادس في التوجهات التالية :

المفهوم الجديد للسلطة

سعيا نحو ترسيخ دولة الحق والقانون وتعزيز الديمقراطية وضمان نجاح الانفتاح الاقتصادي ، كان من اللازم تحديد رؤية مذهبية بالنسبة لجميع المتدخلين سواء كانوا عموميين أو خواص.
والى جانب الإصلاحات التي أعلن عنها جلالة الملك في وقت لاحق، فقد حرص جلالته ثلاثة أشهر فقط بعد تربعه على العرش ، على تحديد الإطار المرجعي الذي يجب أن تندرج فيه وتتم من خلاله جميع الأنشطة والأعمال المستقبلية أيا كانت طبيعتها أومجالها. ويتحدد هذا الإطار في المفهوم الجديد للسلطة الذي أعلن صاحب الجلالة عن خطوطه العريضة في الخطاب الذي وجهه جلالته يوم 12 أكتوبر 1999 بمدينة الدار البيضاء الى مسؤولي الإدارة الترابية وأطر الإدارة المركزية وممثلي الهيئات المكونة وكذا ممثلي المواطنين.
ويمثل الإطار المرجعي المشار اليه ، قطيعة واضحة مع أساليب العمل في الماضي، كما أنه يركز على مختلف مهمام ومسؤوليات السلطة، التي أصبحت تقوم على ضمان حماية الحريات الفردية والجماعية وصيانة حقوق المواطنين واتاحة الظروف المناسبة لترسيخ وتوطيد دولة الحق والقانون . كما يرتبط المفهوم الجديد للسلطة برعاية وحماية المصالح العمومية ومتابعة حسن سير الشؤون المحلية عن قرب ، والسهر على الأمن والأستقراروتشجيع المحافظة على السلم الاجتماعي .
ولبلوغ هذه الاهداف يتطلب الامر الاضطلاع بهذه المسؤوليات في انسجام تام ، مع الاخذ في الاعتبار الاختيارات التي حددها المغرب لنفسه والمتمثلة في نظام الملكية الدستورية الديموقراطية والاجتماعية والتعددية الحزبية والليبرالية الاقتصادية.
هذا ، وقد تطلب تطبيق المفهوم الجديد للسلطة ، اجراء مراجعة عميقة لعدد من النصوص القانونية والتنظيمية بهدف خلق المناخ الملائم لتحقيق هذا الهدف . ومن ذلك مهام الولاة التي أعيد تحديدها لتتركز على القضايا الاقتصادية بغية تحقيق أهداف اجتماعية محددة.
ويؤكد هذا البعد أيضا ، على أن دور مؤسسات الدولة لا ينحصر في التدبير الإداري وحده ، بل يمتد إلى التنمية الاقتصادية التي تقوم على تبسيط الإجراءات الإدارية من أجل تسهيل وتشجيع الإستثمارات التي من شأنها خلق الأنشطة الإقتصادية وتوفير مناصب الشغل وبالتالي ضمان المزيد من الإستقرار والأمن.
وتجدر الاشارة في هذا السياق كذلك ، الى إحداث مراكز جهوية للاستثمار التي جاءت لتجسد بعدا جوهريا في المفهوم الجديد للسلطة ، وهو انعاش الأستثمار والنهوض بالاقتصاد ، وبالتالي تحقيق التنمية السريعة والمستدامة . ويرتكز تحقيق هذا الهدف على أربع أولويات رئيسية هي: التنمية المحلية، التحفيزية على الإستثمارالمحلي والأجنبي ، و تحسين قدرات وكفاءات الإقتصاد الوطني ، وتحسين مستوى عيش الفئات المحرومة.

الديموقراطية التشاركية

لقد حملت مراجعة القانون الإنتخابي سنة 2002 عشية الإنتخابات التشريعية والمحلية ، تعديلين كبيرين يتعلقان باعتماد نمط اقتراع جديد وخفض سن التصويت الى 18 سنة بشكل يسمح بمشاركة واسعة للشباب . بالاضافة الى ذلك فقد فتح اعتماد لائحة وطنية المجال أمام المشاركة الفاعلة للمرأة، وهوما ساهم في دخول ثلاثين امرأة الىالبرلمان .
وقد جعلت هذه الإصلاحات من الإنتخابات التشريعية ( 27 شتنبر 2002) والانتخابات المحلية(12 شتنبر 2003)الاستحقاقات الاكثر شفافية خلال تاريخ الانتخابات بالمغرب.
وبالرغم من أن هذا المسلسل مازال في بدايته فضلا عن كونه ما يزال في طور التجريب عبر العديد من الإستحقاقات من أجل إثبات نجاعته وكذا الوقوف على سلبياته، فإنه وضع المغرب في مصاف الأمم التي أقامت اختيارها على المشاركة الفعلية والحرة لسكانها.
وفي نفس الاتجاه الرامي الى تشجيع مشاركة المواطن، فقد تمت مراجعة قانوني الصحافة والجمعيات في اتجاه توسيع دائرة حرية التعبير، ومشاركة أكبر لمنظمات المجتمع المدني في الحياة الإجتماعية والإقتصادية للبلاد.
من جهة أخرى فقد شكلت اعتداءات 16 ماي 2003 بالدارالبيضاء، والتي خلفت صدمة في النفوس، مناسبة للقياك بعملية تحسيسية واسعة النطاق من اجل وضع هذه الظاهرة ضمن إطارها الحقيقي وضمان جميع فرص التقدم والنجاح للمشروع الديمقراطي ، استكمالا لما تم القيام به على المستوى التشريعي من خلال اقرارقانون مكافحة الارهاب، الذي لا يهدف الى القمع بقدر ما يسعى الى تعزيز حريات وحقوق المواطنين فضلا عن ضمان السكينة والأمن بالنسبة للافراد والممتلكات.
وعلى الجانب الآخر ، أخرى يتواصل على الصعيد الوطني النقاش بخصوص وضع قانون خاص بالأحزاب والقانون المنظم لحق الإضراب، وسيساعد هذان القانونان بعد المصادقة عليهما ، على ملء الفراغ من خلال تنظيم ممارسة الحريات الفردية والجماعية في الميادين السياسية والنقابية.
وحيث أن المجال الجماعات المحلية تمثل المجال الاكبر تجسيدا للديموقراطية التشاركية ، فقد أصبحت هذه الاخيرة ، في عهد جلالة الملك محمد السادس ، تمتلك صلاحيات واسعة بعد المصادقة على الإصلاح الذي هم قوانينها التنظيمية. كما أن اللامركزية و اللاتمركز والجهوية، وبعد أن ظلت لمدة طويلة حقلا للتجارب والمشاريع تحولت اليوم الى أوراش حقيقية للإصلاحات بفضل الدينامية التي كرسها "المفهوم الجديد للسلطة".

تحديث الجهاز القضائي

عرف إصلاح القضاء الذي تم الشروع فيه منذ بداية التسعينات، دينامية قوية مع بداية عهد جلالة الملك محمد السادس ، وذلك في اتجاه تعزيز سلطة واستقلالية القضاء ورفض الوساطة والزبونية وتسريع وتيرة تنفيذ الأحكام. ويرمي تأهيل هذا القطاع أساسا إلى تعميق الديموقراطية من خلال تفعيل قاعدة المساواة بين جميع افراد المجتمع أمام القانون، وكذا خلق محاكم مختصة مثل المحاكم الادارية والمحاكم التجارية ومحاكم الأسرة.
وفي نفس الإطار ،شمل الإصلاح ايضا ، تحديث قانون المسطرة الجنائية وتعزيز حماية حقوق المرأة والطفل خاصة عبر ملاءمة التشريع الوطني مع الاتفاقيات الدولية التي صادق عليها المغرب ومنها : اتفاقية حقوق الطفل واتفاقية القضاء على كل أشكال التمييز ضد المرأة.
ومن أكبر الإصلاحات التي همت هذا القطاع هناك إلغاء محكمة العدل الخاصة، الشئ الذي سمح بتحقيق مبدأ مساواة كافة المواطنين أمام العدالة وأيضا احترام مبدأ استقلالية النظام القضائي.
وكانت محكمة العدل الخاصة قد أحدثت في منتصف الستينات للنظر في المخالفات المتعلقة باختلاس أموال عمومية أو الرشوة أو الشطط في استعمال السلطة، وذلك انطلاقا من مسطرة استثنائية على مستوى التحقيق والمتابعة والمحاكمة.

مدونة الأسرة ، تكريس للمساوة بين المراة والرجل

شكلت مدونة الأسرة الجديدة التي صادق عليها البرلمان بالإجماع ، دفعة قوية للمسلسل الرامي الى بناء مجتمع ديموقراطي حديث ومنفتح على بيئتة الإقليمية والدولية في ارتباط تام بجذوره وقيمه الدينية والثقافية.ويعتز المغرب بما حققه على مستوى النهوض بأوضاع المرأة، حيث اعتبر الاصلاح الجوهري والعميق الذي شهده هذا المجال ثورة إجتماعية وسياسية وثقافية حقيقية.
وسعت مدونة الأسرة من خلال اعتماد صياغة عصرية وحديثة تقصي جميع التعابير التي من شأنها الحط من المرأة وترفعها الى مرتبة الشريك الكامل للرجل في الحقوق والواجبات وتحقيق المساواة بين الزوجين من خلال إقرار عدة اصلاحات.
وينص القانون الجديد بصفة خاصة على أن الأسرة ستوضع من الآن فصاعدًا تحت المسؤولية المشتركة للزوجين ، وذلك من خلال اسقاطه لقاعدة الولاية (الوصاية الأبوية) في إبرام الزواج للمرأة البالغة، وجعله الطلاق والتطليق يمارسان سواء من طرف الزوج أو الزوجة، تحت المراقبة القضائية ،واخيرا بتشديده على حماية حقوق الأطفال.

خاتمــــة

ترتبط الصعوبات التي تواهها المملكة بمستوى التنمية الذي حققته البلاد وبالحالة النفسية التي يعيشها مجتمع في طور الانتقال الديموقراطي. منا إن وسائل التعبئة التي تعتمد على حوافز تقوم على أساس المواطنة لاتؤتي أكلها إلا إذا لاحت في الأفق ظروف عيش أفضل. وهنا يكمن جوهر المشكل الذي تواجهه المملكة ، والذي يتلخص في معادلة ذات حدين وهما الديموقراطية والتنمية . ولتحقيق أحدها يجب حتما المرور عبر الآخر والعكس صحيح.
وتؤكد حصيلة الخمس سنوات الأولى من حكم جلالة الملك محمد السادس ( 1999-2004) ، أن الرهان يمكن أن يتحقق نظرا لأهمية وملاءمة الإصلاحات التي تم القيام بها سواء في المجال السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي.
وقد تم اتخاذ كافة التدابير سواء تلك المتعلقة بتنشيط الحقل السياسي وتعبئة المجال الديني في اتجاه تحديثه أو إعادة هيكلة المجال القانوني لقطاع الأعمال، بحيث أن كل هذه التدابير تجعل عملية التأهيل تشمل كل القطاعات. كما يتطلع المغرب الى جذب أكبر قدر من الاستثمارات المباشرة من أجل إعطاء دفعة قوية لنمو اقتصادي منتج للثروات ولفرص الشغل. ويحتاج أيضا إلى ولوج أكبر للمعرفة التكنولوجية ولتقنياتها الحديثة التي يجب على مؤسسات التعليم والتربية والشباب والمجتمع المدني ووسائل الإتصال وغيرها ، استثمارها من أجل خلق ثقافية جديدة حاملة للتطور والتغيير في إطار من الرصانة والسلم والتسامح.



 
  future@maec.gov.ma 2004©B3G